استعرضت شبكة "رين وولدفيو" الأمريكية، المتخصصة في التحليلات الاستراتيجية والأمنية، تقريرًا استقصائيًا يفحص بواعث وخلفيات النفوذ المصري المتنامي بشكل غير مسبوق في السودان ومنطقة القرن الأفريقي، مستنتجة السيناريوهات المستقبلية لهذا التواجد العسكري والدبلوماسي وطبيعة التحديات التي قد تحد من حركته.
ووفقًا للتحليل الذي نشرته الشبكة، يمكن استنتاج أربعة أبعاد استراتيجية رئيسة تقف وراء هذا التموضع المصري الجديد:
1. بناء جبهة تطويق واحتواء ضد إثيوبيا
خلص التقرير إلى أن التحركات الدبلوماسية والعسكرية المكثفة للقاهرة نحو الصومال وإريتريا تمثل استراتيجية هجومية واضحة لـ تطويق النفوذ الإثيوبي المتصاعد في المنطقة وحصاره جيوسياسيًا. وأوضح التحليل أن مصر تتحرك للرد على ملفين حاسمين يهددان أمنها؛ الأول هو التعنت الإثيوبي المستمر في ملف "سد النهضة" وغياب اتفاق قانوني ملزم يحمي حصص المياه، والثاني هو رفض القاهرة القاطع لمذكرة التفاهم التي وقعتها أديس أبابا مع إقليم "أرض الصومال" الانفصالي لتأمين منفذ بحري وعسكري على البحر الأحمر، حيث تصر مصر على دعم سيادة الصومال الموحد لإجهاض الأطماع الإثيوبية.
2. أول انتشار عسكري ميداني للجيش المصري في الصومال
وقال التقرير إن الفرق الفنية والعسكرية التابعة للجيش المصري تستعد حاليًا لـ نشر عناصر من القوات المسلحة المصرية في مناطق استراتيجية تقع شمال العاصمة الصومالية مقديشو، وذلك في إطار بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم واستقرار الصومال.
وأكد التقرير أن هذا التحرك يمثل أول تواجد عسكري ميداني رسمي ومعلن للجيش المصري على الأراضي الصومالية، تفعيلاً لمذكرة التفاهم الدفاعية المشتركة الموقعة بين البلدين عام 2024.
3. تأمين عمق الأمن القومي في السودان وجيبوتي
وربط التقرير بين التوسع المصري وبين حماية حدودها الجنوبية؛ حيث ترى مصر في استقرار السودان خطاً أحمر لا يمكن التنازل عنه لصلته المباشرة بأمنها الوجودي. وتهدف التحركات المصرية إلى دعم القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان للحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة ومنع تمدد الفوضى الناتجة عن الحرب الأهلية السودانية إلى العمق المصري.
بالتوازي مع ذلك، نجحت مصر في توجيه ضربة اقتصادية غير مباشرة لأديس أبابا عبر توقيع اتفاقية مع جيبوتي لتحديث وتطوير "ميناء دوراليه"، والتعاون مع إريتريا في ميناء عصب، بهدف فرض ضغوط تجارية خانقة على إثيوبيا الحبيسة (غير الساحلية) التي تعتمد كليًا على جيبوتي لتمرير تجارتها الخارجية.
4. "القيد المالي الإماراتي" يحجم الحركة
وعلى الرغم من هذا التوسع الهجومي البارز، خلص التحليل إلى استنتاج جوهري وصفت فيه الاستقلالية السياسية والمادية للقرار المصري بأنها محاطة بضغوط تمويلية؛ حيث أكد أن اعتماد مصر الحيوي والمستمر على رأس المال والاستثمارات الإماراتية الضخمة في اقتصادها سيشكل "قيدًا حاسمًا" يحجم التحركات السياسية والعسكرية للقاهرة.
وتوقعت الشبكة أن هذا القيد المالي والتمويلي سوف يمنع الإدارة المصرية من اتخاذ أي خطوات عسكرية أو سياسية شديدة العدوانية في القرن الأفريقي أو السودان قد تتعارض مباشرة مع المصالح والنفوذ الاستراتيجي لدولة الإمارات العربية المتحدة الشريكة في المنطقة.

